مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

57

موسوعه أصول الفقه المقارن

المغصوبة عند ضيق الوقت ، حيث تكون واجبة من جهة ومحرمة من جهة أخرى « 1 » . ولعلّ هذه المحاولة من الكعبي هي التي دعت البعض للمصالحة بينه وبين الجمهور ، لاعتقاد الكعبي كغيره من العلماء ، بأنّ المباح يبقى مباحاً إلّاإنّه يصير في نفس الوقت واجباً تخييرياً ، باعتبار أنّ ترك الحرام كما يحصل به يحصل بغيره من المباحات ، فليس الخلاف بينه وبينهم إلّا خلافاً لفظياً « 2 » . والحقيقة أنّ المصالحة وإن كانت مطلوبة إلّاأ نّها هنا بعيدة عن الواقع ؛ لأنّ أكثر الأعلام لا يرون اتصاف المباح بالوجوب لمجرد توقف ترك الحرام عليه . الأمر الرابع : أصالة الإباحة تطلق أصالة الإباحة مرة ويراد بها الأصل العملي ، وتطلق أخرى ويراد بها الإباحة الأصلية التي يكون مفادها حكماً واقعياً . أمّا التي بمعنى الأصل العملي فهي تجري عند الشك في الحكم الواقعي بعد الفحص وعدم العثور على ما يدلّ على المنع ، ويعبّر عنها أحياناً بأصالة البراءة ، ويقابلها أصالة الحظر عند من يرى وجوب الالتزام بالاحتياط في هذا المجال ، ويعبّر عنها أيضاً بأصالة الاحتياط « 3 » . وكثيراً ما يطلقون البراءة على الإباحة والاشتغال على الحظر « 4 » ، لكن ذلك لا يعني تساويهما مورداً ؛ لأنّ أصالة الإباحة أضيق دائرة من أصالة البراءة كما هو الراجح عند أكثر الأصوليين « 5 » ؛ لاختصاص الأولى بالشبهات التحريمية ، وشمول الثانية للشبهات الوجوبية « 6 » ، ومن هنا فقد صرّح الآشتياني بأنّ أصالة الإباحة من أقسام أصالة البراءة وأفرادها « 7 » ، وإن كان يظهر من المحقّق النائيني أنّهما أصلان مستقلان ؛ لأنّ المدلول المطابقي لأحدهما يختلف عن المدلول المطابقي للآخر ، لدلالة أصالة الإباحة على الرخصة في الفعل والترك معاً ، بينما تختص أصالة البراءة بجانب الفعل عند احتمال الوجوب وبجانب الترك عند احتمال الحرمة ، ولابدّ لنفيهما معاً من التمسّك بالأصل مرتين « 8 » . وبذلك يتضح أنّ أصالة الإباحة وإن كانت أضيق مورداً من أصالة البراءة - لاختصاصها بنفي احتمال التحريم - إلّا أنّها أوسع أثراً منها ؛ إذ بها ينتفي احتمال وجوب الالتزام بالفعل أو الترك معاً ، فجريانها لنفي احتمال التحريم يغني عن جريانها لنفي احتمال الوجوب ؛ لأنّ معنى إباحة الفعل وحليّته الرخصة في الفعل والترك « 9 » . ومهما يكن من أمر فقد استدلّ لأصالة الإباحة بهذا المعنى بأدلة متعددة مذكورة بصورة مفصّلة في بحث البراءة ، ونشير هنا إلى بعضها : استدلّ الجمهور من الكتاب « 10 » بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » « 11 » .

--> ( 1 ) . نقل عنه في التحبير شرح التحرير 3 : 1027 . ( 2 ) . الغيث الهامع : 75 - 76 . ( 3 ) . بحوث في شرح العروة الوثقى 3 : 65 - 66 . ( 4 ) . القوانين المحكمة : 39 ، نهاية الأفكار 3 : 291 ، زبدة الأصول ( الروحاني ) 1 : 292 . ( 5 ) . مطارح الأنظار 2 : 402 ، بحر الفوائد 4 : 232 . ( 6 ) . فوائد الأصول 3 : 445 . ( 7 ) . بحر الفوائد 4 : 232 . ( 8 ) . انظر : فوائد الأصول 3 : 446 . ( 9 ) . المصدر السابق 3 : 445 - 446 . ( 10 ) . الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 50 ، 304 . ( 11 ) . المائدة : 101 .